الشيخ محمد هادي معرفة
38
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
رجل للقراءة عليه يسأله : هل قرأت على ابن مجاهد ، فإن قال : نعم لم يقرئه . فلئن كان ابن مجاهد يعتّز بمنصبه الرسميّ ، فقد كان ابن شنبوذ يعتزّ بمقام علمه وسعة اطلاعه ، وكان يؤنّب صاحبه بلاهوادة . وكان ابن شنبوذ يقرأ بالمشهور والشاذّ وكان يرى جواز الصلاة بما جاء في مصحف أُبيّ ، ومصحف ابن مسعود ، وبما صحّ في الأحاديث - مع أنّ الاختلاف في جوازه كان معروفا بين الفقهاء قديما وحديثا - وكان يتعاطى ذلك جهارا . وكانت نقطة ضعف أخذها عليه ابن مجاهد ، فرفع أمره إلى السلطان ، وعقد له - كما عقد لابن مقسم - مجلس بأمر رسميّ من شيخ القرّاء ابن مجاهد ، وكان ذلك في سنة 323 . قال الداني : حدّث أبو القاسم بن زنجي الكاتب الأنباري ، قال : حضرت مجلس الوزير أبي علي بن مقلة ، وزير الراضي باللّه العباسي . وقد أحضر ابن شنبوذ وجرت معه مناظرات في حروف ، شهد عليه الشهود أنّه يقرأ بها ، وهي شواذ ، فاعترف منها بما عمل به ، بمحضر من الشاهدين : محمد بن موسى الهاشمي ، وأبي أيوب محمد بن أحمد ، وهما يومئذ شاهدان مقبولان ، وكان القاضي عمر بن محمد بن يوسف وكان قد حضر المجلس ابن مجاهد وجماعة من القرّاء . فأغلظ ابن شنبوذ للوزير في الخطاب ، وللقاضي ، ولابن مجاهد ، ونسبهم إلى قلّة المعرفة ، وأنّهم لم يرحلوا في طلب العلم كما رحل . فأمر الوزير بضربه سبع درر ، وهو يدعو على الوزير ، بأن يقطع اللّه يده ، ويشتّت شمله ، واستتابوه قهرا عليه . وكتب نسخة المحضر ابن مجاهد بيده ، وفي آخرها : « اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي - وكتب ابن مجاهد بيده : - يوم السبت ، لستّ خلون من ربيع الآخر ، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة » .